الرئيسيةمقالات الرأي
أخر الأخبار

في الحوار وفي الوطنية

لكل نجاح ثمن كما أن لكل إخفاق تكاليف، وعدم اتخاذ قرار كارثة، وأي تخلٍّ عن المسؤولية انتحار. كل إضاءة مفيدة لكل انشغال أو نقاش أو قرار، وهي تساعد في الكثير من المرات على دق ناقوس الخطر.

تُقَدِّم الكثيرُ من الكتابات والتحليلات الحراكَ وكأنه أزمة أو على أنه هو الأزمة، في حين أن حركة 22 فبراير وضعت حدا لما تسبب فيه “السيستام” من تفاقم للمصاعب ومن انسدادات ومن تهديدات تراكمت ولم تجد لها حلا. لقد عبر الجزائريون، بهذا التجنيد غير المعهود، عن رفضهم سقوط بلادهم أو أن تستسلم للفوضى.

لا، لم يتسبب الشعب في مصاعب إضافية ولا في زعزعة الاستقرار ولا في اختلالات جديدة، بما في ذلك على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. لم يتسبب الناس في اضطرابات ولا في عنف إضافي للنظام أو للجيش. “سلمية.. سلمية”، “جيش شعب خاوة خاوة”.. كانت شعارات أساسية صريحة وقوية. فخيار “سلمية” هو رد على الاضطرابات والمصاعب التي عانى منها النظام والأمن لسنين خلت.

حراك الشعب هو وثبة من أجل البقاء وفعل وقائي لمواجهة احتمال زعزعة استقرار عام ومُدوّل. الجزائريون، ومن خلال حجم تجندهم والطابع الوطني السلمي والدائم لحراكهم، تمكنوا أيضا من السمو بهيبة الجزائر ومن تغذية الاعتزاز الوطني ومن إعادة لصورة الجيش الوطني الشعبي نصاعتها، على الرغم من الحقيقة المؤلمة المتمثلة في رؤية سلسلة من كبار المسؤولين السابقين في الحبس، وهو ما يشير للأسف لحجم كارثة وطنية.

ومن فضائل الحراك أيضا أنه عرى كل هذه الفوضى وكل هذا الفساد الذي تداولته الصحافة ووسائل الإعلام، والذي تورط فيه مسؤولون من مستوى رفيع جدا وموظفون من مختلف المؤسسات: وزيران أولان وعسكريون برتبة لواء، وزراء وإطارات سامية وأعوان دولة، مسؤولو بنوك ورجال أعمال. فهل هؤلاء ضحايا أم جلادون أو أنهم مجرد خدم أوفياء لنظام منع كل حكم مؤسساتي وكل رقابة سياسية وكل إدارة خاضعة للقانون؟ ألم يستبح بعض المسؤولين أو حولوا أجهزة أمن الدولة عن غايتها ووضعوها في خدمة أشخاص وحساباتهم الخفية؟

بعض من حماة “السيستام” يتخبطون في تناقضاتهم وفي أعمالهم الشائنة وأزماتهم. إنهم يحاولون عبثا اليوم تحميل مسؤولية انحرافاتهم هذه وتكاليف فشلهم للحراك، لهذا، وبعد ستة أشهر، ما زال الشعب والجيش وحيدين. إنها حال مأساوية ولكنها ليست مفاجئة.

منذ 22 فبراير والشعب يطالب بسلمية مثالية بوضع حد لهذه السلسلة من التصرفات ومن عدم احترام الدستور ومن الانحرافات والانسدادات والاختلالات المؤسساتية والقانونية. لهذا فإن تغيير “السيستام” هو الحل وليس المشكل.

الشعب يطالب بتغيير النظام بالوسائل السلمية وبكل وعي وتحضر من خلال شعاره “يتنحاو قاع”. لذلك فإن تفكيك وعزل جماعات الولاء والإكراه والرشوة الضارة صار ضروريا. إنه شرط لبقاء انسجام الجيش وكل سلطة وطنية قانونية.

إن رفض التغيير والتكيف أو التحول لفترات طويلة وصل حد أنه جعل مجرد تغيير رجال أو ممارسات مستحيلا. إن الأمر سيكون أصعب بالنسبة لتغيير النظام، لكنه ممكن بالتشاور وبشكل منظم وحاسم، بالرغم من رفض نخبنا السياسية أو عجزها. إنها خصائص تطبع نخب البلدان التي لا تتطور والتي تتقهقر أو التي لا تستطيع أن تتقدم بالتنمية.

ومن ثمَّ ليس من البساطة، ومن خلال توافق عادي، بدء مسار تغيير منظم طالب به الحراك والجيش، وعبر عن ذلك من خلال الدعوة إلى تجسيد المواد 102 و7 و8.

في الواقع، البلاد في حاجة ماسة ليس فقط لرضا الناس أو لتغيير أشخاص، ولكن في حاجة لنموذج مؤسساتي سياسي للدولة، فشرط بقاء البلاد وجيشها وحكومتها هو بناء هذا النموذج. إن عدد الفجوات التي ينبغي سدها والانسدادات التي ينبغي الخروج منها والمآزق التي ينبغي تجاوزها، وكذا إقامة منظومة سياسية مكونة من أحزاب حكم قادرة على إبراز نخب وكفاءات وقادرة على الإقناع بالانخراط وقادرة على تقديم المساندة، هو ما يعطي بعدا قويا لهذه المسألة. كما أن ضخامة المهام وطبيعة التدهور القائم وكذا التطلعات السياسية والحاجيات الاجتماعية تجعل كل مقاربة ساذجة أو جزئية، وكل تسرع أو ترقيع تطرح إشكاليات إضافية وتكون أعلى كلفة من الخمسة والعشرين سنة الأخيرة من الانسداد والركود.

اليوم تستمر نخب خائبة تعشش في شبكات الولاء والإكراه والرشوة، بالرغم من هذه الكارثة، تستمر في محاولة الاحتفاظ بالحق في تسيير السلطة لوحدها وحماية مناصبها وامتيازاتها، مع استمرار قطيعتها مع الشعب وانفصالها الاجتماعي والهوياتي. هذه الشبكات تريد أن تستمر في صياغة موقف الجيش وخريطة طريقه. هؤلاء ووسائل إعلامهم وامتداداتهم ما زالوا يعملون على التجدد وحتى على تدعيم نفوذهم، إنهم يرفضون بكل بساطة سيرا مؤسساتيا للدولة والسلطات، لأنهم يخافون أن رقابة قانونية بسيطة ستجعل أسلحتهم كل أسلحتهم واهية، أي الكذب والابتزاز أو التهديد. إنها الأسلحة التي استخدمت من أجل وقف الجزائر عن استكمال مسارها وإخضاعها لتقهقر عام رهيب.

هذه هي الأسباب أيضا التي تجعل الجيش لا يرغب ولا يستطيع أن يستمر في أن يكون قاعدة اجتماعية وسياسية ولا ضابطا ولا حاميا لهذه السلطة أو تلك الحكومة. إنها واجهة وقفت في وجه ممارسة الناخبين لسيادتهم وعرَّضت انسجام الجيش وأمنه للخطر. وأي استمرار في مثل هذه الممارسات سيكون خطرا قاتلا للجزائر ودولتها وجيشها. إن قيادة الجيش الوطني الشعبي قدرت ذلك أحسن تقدير، وأعلنت موقفا منسجما مع مطالب الحراك بإلحاحها على تفعيل المادة 102 مع المادتين 7 و8 من الدستور. لذلك فإن الطلب اليوم بالتنظيم العاجل للانتخابات يظهر أنه عين المنطق، غير أنه ينبغي الاطلاع على شروط تنظيمها وتحديدها والاطلاع على الضمانات وعلى تنظيم التحقق والرقابة وسبل الطعن لانتخابات نريدها مثالية وأصيلة. كل هذه المسائل الخطيرة والحاسمة جدا هل ستنتهي إلى مسعى حوار يتولاه الذين طالب الحراك بذهابهم؟

يبقى أنه علينا تقييم هذه الانتخابات المأمولة، وبشكل مسبق، مخاطرها والمأمول منها وما قد يترتب عنها. إن الأمر لا يتعلق فقط بشروط وظروف تنظيم الانتخابات وانعكاساتها، فهناك أيضا مستلزمات فصل الدولة وديمومتها واستقرارها عن حياة أي سلطة تنفيذية. وهل ستظل شروط إضفاء الشرعية على الحكومة وسيرها وتقييمها واستبدالها خاضعة للشبكات التي تتحكم اليوم في إدارات حكومية ومحلية وتملك شبكات زبائنية. إنهم سيناورون من أجل منع الإرادة الشعبية من التعبير أو تحريفها.

على أي قوى قانونية مشروعة سيتوفر الرئيس المستقبلي “المنتخب”؟ وعلى أي سند سياسي واجتماعي وعلى أي آليات قرارية ودستورية سيعتمد؟ واضح أن الدستور الحالي يمنح الرئيس كل السلطات ولكنه لا يوفر له أي آلية تنفيذ. فكل قراراته ستخضع لسند هذه الشبكات أو رفضها.

وهناك أيضا انشغال متصل بضمان عدم حدوث أي تراجع عن الحياة الديمقراطية وعن حكومة منتخبة، وهي متصلة أيضا بديمومة الدولة واستمرار ضمانات الأمن وضمانات الحرية وسيادة القانون، وكذا بالحقوق والواجبات الدولية التي على الدولة، في كل الظروف، حماية الأولى منها وتحمل مسؤولية الثانية.

منذ التسعينات أدرك الجزائريون أن هناك شبكات تسير وكأنها هياكل مافيوية تشتري وتبيع “بالشكارة” المساندة حتى داخل الإدارة والجهاز الأمني. إنها شبكات تشوش على السياسات الأمنية للدولة وعلى سياسات الحكومة.

إن هذه الشبكات، وهي طبيعة “السيستام”، هي التي حدت من حركية المجتمع ومن نشاط الأحزاب ودفعت بها إلى مستوى ما قبل السياسي، ومنعت الحكومة من أن تكون المنظم والضابط للاقتصاد أو تكون “حكما” اجتماعيا، بل جعلوا منها قوة مغذية للرشوة والفساد، وجعلوا مكافأة شبكاتها وحدها شرط بقائها. لهذا فإن الحكومة لا تصنع على المقاس إلا قرارات تحمل ملامح: تسييس/منع التسييس، منح الشرعية/نزع الشرعية، الاعتماد القانوني/سحب الاعتماد، استقطاب/إقصاء، توكيل/سحب التوكيل، الترخيص/المنع. ولهذا فإن “السيستام” وأي مسؤول لا يتعايشان مع الرقابة القانونية ومع المراقبة المؤسساتية، بما فيها رقابة مؤسسة الجيش أو أي مرونة أو تحمل أي مسؤولية.

إن هذا “السيستام”، الذي يريد البعض الاحتفاظ به مهما كان الثمن، لم يضمن بناء الدولة ولا كفاءة الحكومة، ولم يضمن إدارة البلاد وتنميتها، إنه نجح في منع مشروع الجزائر من أن يصبح واقعا وأن تصبح البلاد “نمرا” اقتصاديا. لقد أفشل كل الخيارات والبدائل وكل المشاريع الصناعية، والأدهى من هذا أنه ورط في السنوات الأخيرة ضُبَّاطا سامين في فساد وفي مؤامرات. هل هذا متصل بواجب وطني أو وطنية متعجرفة لأولئك الذين يعتقدون أنه ينبغي القضاء على جذورهم الهوياتية من أجل التمكن من العيش من غير قيد وبلا مسؤولية في مكان آخر؟ من حسن حظنا أن مواطنينا في المهجر في كل أصقاع العالم، بما في ذلك الجيل الثالث منهم، ليسوا على هذه القناعة، فهم مهتمون بشكل دائم بمصير بلدهم الأصلي. الجنسية هي خيار شخصي ومسؤول أما الهوية/الجنسية الأصلية فهي حق طبيعي.

 “السيستام” الجزائري ليس نموذجا وهو لا يشبه أي “سيستام” آخر. إنه “اللاسيستام”، يدعى “سيستام” للإشارة لتعقيدات كل ما يتنكر له. إنه “سيستام” قاتل للحرية معادٍ للسياسة معادٍ للنضال ومعادٍ للحكم الراشد، معادٍ للمؤسسات ومعادٍ للتنظيم ومعادٍ للوطن. ولهذه الأسباب كلها قضى على جنين الدولة، ثمرة ثورة التحرير الوطنية، وأباد القانون ودمر الحكم الراشد، ومن أجل استمراره قد يصل حد كسر انسجام الجيش الوطني الشعبي.

أمام هذه الحقائق والمساوئ، ليس هناك اليوم أي منظمة أو جمعية أو أي حزب يملك الكفاءة والقدرة أو الموارد الضرورية لادعاء تشكيل بديل محتمل وذي مصداقية ولا تشكيل حكومة ولا تقديم سند حقيقي ولا تنظيم أو مراقبة انتخابات حقيقية أو قيادة أي مسار تغيير.

إذا كانت الأحزاب لا تستطيع تقدير البعد الاستراتيجي لحركة وطنية ضخمة وحدوية وسلمية، وإذا كانت نماذج هذه الأحزاب غير قادرة على إدراك ذلك، وإذا ما استمرت مصالح وألوان من القلق وألوان من الغموض ومن الطموحات في التعبير عن نفسها فذلك أمر عادي، فالأحزاب ستكون، بمجرد تكيف نماذجها تكيفا مناسبا، العمود الفقري الضروري لحكومات ديمقراطية مستقبلية. لا بد من أن تتوفر للأحزاب فرص الهيكلة والتحول والتطور والملاءمة بالتشاور وبكل بحرية وديمقراطية، فذلك يمثل الحد الأدنى الذي ينبغي أن يُضمن لهم. ومن الطبيعي أيضا أن تتوفر فرص لقيادة الجيش الوطني الشعبي لمفصلة ونسج علاقته مع رئيس الدولة المنتخب ومع مختلف المؤسسات الدستورية ومع الحكومة.

إن الحكم على النوايا والخصومات والعداوات والنزاعات أو ألوان التنافر التي حدثت بالأمس أو كانت بين الأشخاص لم يعد لها مدلول ولا فائدة ولا معنى. فقد عبر الشعب وأعلن بصوت عال وقوي واستجاب الجيش بمرافقة الحركة. لقد نجح الشعب بحراكه السلمي الوطني والوحدوي بإنشاء حال جزائرية جديدة قوية. ينبغي إقامة معابر وجسور ثقة بين هذين الجسمين الحيويين للجزائر، الشعب وجيشه الوطني الشعبي.

فلتبرز وساطات قادرة بفضائلها ونزاهتها على المساهمة والمساعدة في تحرير البلاد والجيش من فخاخ هذا “السيستام” القاتل.

لنتوقف عن صنع الأوهام ولنتوقف عن الوعود الكاذبة، لنتوقف عن الحديث عن صراعات غير حقيقية وعن حلول خاطئة. لا ينبغي الاهتمام كثيرا بما يقال أو إضفاء مصداقية كبيرة على مقترحات “خبراء” أو جماعات أو مجموعات تفكير، حتى وإن كانت مفيدة وتقدم أحيانا إضاءات، فإنها لن تكون أبدا حاسمة ومتوافقة مع ظروفنا.

هناك بلدان تساعد في التنمية الاقتصادية والثقافية وتحسِّن أحيانا من الأمن، ولكن ليس هناك أحد يساعِد على بناء دولة وطنية ودعم أسسها أو حمايتها وعلى تعميق وتدعيم حقوق المواطنين بالديمقراطية والحكم الراشد. بناء الدولة الوطنية مسألة تخص الشعب وإرادته. تعيش الدول وتبقى فقط بإرادة شعوبها وجيشها ونخبها. الاستقرار والأمن والازدهار هي ثمار الحرية والديمقراطية والمسؤولية.

وحدها الدولة الوطنية الديمقراطية الاجتماعية التي تحترم قيم الإسلام تكون في حماية الجزائريين وحريتهم وحقوقهم. وستنزع الدولة الشرعية عن أي محاولة تدخل أو ما يدعى حق التدخل باسم الدوافع الإنسانية الدينية أو حقوق الأقليات أو لحماية مجموعات سكانية من خطر. إن جنين الدولة الحالي والجيش لن يكونا قادرين على توفير الأمن وحمايته من دون الشعب ومجموع مكوناته.

إن الخيار ليس ولا ينبغي أن يكون بين “السيستام” أو الفوضى، ولكن بين “السيستام” وجزائر أفضل. لهذا فإن الشعب في مسار تأسيسي كل يوم جمعة، وشبابه الجامعي كل ثلاثاء منذ أكثر من ستة أشهر، حركة واحدة غير قابلة للتقسيم.

التحرير

الحدث بوست موقع و جريدة إخبارية إلكترونية جزائرية

مقالات ذات صلة

إغلاق