مقالات الرأي
أخر الأخبار

صفقة القرن إملاءات الوضع النهائي

ربما الصراع الفلسطيني الصهيوني قد طال أمده، لكن يبدو أن مفوضات السلام ومبدأ الارض مقابل السلام أصبح أكثر طولًا ورتابتًا وازعاجًا للجميع، فمنذ خريف 1991، والعالم كله ينتظر تجسيد إتفاقيات السلام، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإيجاد حل لأعقد قضايا الشرق الاوسط، الذي يعتبر من أسخن المناطق في العالم واكثرها توترا، لكن بعد أكثر من عقدين من الزمن، على مؤتمر مدريد للسلام، يبدو أن الحل لن يكون تفاوضيًا بل سيكون على أساس املاءات الأقوياء، وإذعان الضعفاء، بعد أن تم حشرهم في الزاوية، وإنهاكهم، وتحويل كل اهتماماتهم حول كيفية الحفاظ على سلطتهم المزعومة، فرغم كل السياسات الصهيونية التي تفيد برفض حل الدولتين، ورفض عودة اللاجئين، وضم القدس وإخراج المستوطنات من أي حوار، لا زال الفلسطينيون متشبثين بالسلطة الوطنية، وبالدولة المتخيلة التي ينتظرونها، ولا زالوا للأسف يعتقدون أن اللاءات الاسرائيلية، هي قضية ستحل في اتفاقية الوضع النهائي، غير أن سياسة ترامب، تشير إلى أن صفقة القرن هي الحل الوحيد الذي على الفلسطينيين الأذعان له، صفقة تختصر كل الواقع الفلسطيني في إصلاحات إقتصادية، بينما تصبح الدولة في خبر كان، ولكن ألم يكن واضحًا أن لعبة مدريد/أوسلو كان الهدف منها هو الوصول إلى صفقة القرن بأكثر أريحة، وبدون أي ردة فعل من الفلسطينيين أو حتى من العرب والمسلمين؟

* ترتيبات اسلو ومدريد ورشوة الفلسطينيين

منذ قيام دولة الكيان الصهيوني، أو حتى قبل قيمها سنة 1947، والفلسطينيون والعرب يرفضون كل اشكال التقسيم، رغم أنها في بدياتها كانت لصالح الفلسطينيين، غير أن تمسك العرب بأراضيهم ورفضهم لأي كيان جديد فوق أرض فلسطين، أدى إلى فشل كل مشاريع التقسيم، وكذلك آثبت أن العرب مستعدون للمقاومة المسلحة من اجل استعادة اراضيهم، فرغم كل الحروب التي خاضها العرب ضد إسرائيل ورغم كل النكسات، ظل الفلسطينيون يؤمنون أن الحل في بنادقهم، وهذا ما فهمه الغرب جيدًا، ولذلك تمت رشوة مصر من خلال اتفاقية كامب ديفيد مما نتج عنه إنسحابها من الصراع المسلح، وهنا بقي الفلسطينيون وحدهم، لكن رغم ذلك استمروا في إزعاج الكيان الصهيوني وإزعاج أمريكا عن طريق خيار المقاومة المسلحة، ورفض أي إعتراف بالوضع القائم منذ سنة 1947، لكن في السياسة الدولية لكل شيء ثمن، حيث استطاعت القوى العظمى، وبسب التخلي العربي عن الفلسطينيين، اقناع منظمة التحرير أن الحل في الجلوس إلى طاولة الحوار، وأن الفرصة الوحيدة ليسترجع الفلسطينيون ما بقي من حقوقهم، عن طريق مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي بشر به مؤتمر مدريد، وأقرته اتفاقية أوسلو، كصيغة وحيدة لحل الصراع في الشرق الاوسط، وهنا أنجر الفلسطينيون وراء وهم الدولة الموعودة، وقررت منظمة التحرير  تغير كل استراتيجيتها في الصراع، وانتقلت من البندقية إلى الغرف المكيفة، وأعلن عن قيام السلطة الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، وغيرت منظمة التحرير مواثيقها، واعترفت بأحقية إسرائيل في الوجود، وأنتهجت سياسة السلم، ورفض كل أشكال العنف، في أراضي الحكم الذاتي، ودشن عصر المفوضات التي لن تنتهي ولن تصل إلى أي تسوية، بل ستعمل على شيء واحد، هو خلق فئة منتفعة من تلك الإتفاقية، ماليًا واقتصاديًا، وفي نفس الوقت شرعنت الممارسات الاسرائيلية، كالاستيطان واعتقال المقاومين، وفي المقابل تحولت سلطة بصلاحيات أقل من صلاحية بلدية في إسرائيل، إلى وهم دولة، ستغرق مع الأيام في رفاهية الدولة المزيفة، وستقدم الكثير من التنازلات ليس من أجل حل القضية بل من أجل الاحتفاظ بالمكاسب والامتيازات.

* السلطة الفلسطينية وفكرة حارس الليل

لم تستفد السلطة الوطنية الفلسطينية شيء من اتفاقية أوسلو، سوى بعض المستحقات الضريبية التي تصلها عن طريق سلطات الاحتلال، وكذلك تكوين الأمن الوقائي الفلسطيني، الذي أصبح ينفذ دوريات مشتركة مع قوات الاحتلال، وفي كثير من الأحيان وحسب الاتفاقيات الأمنية، يقوم بضبط المخربين وتسليمهم للجيش الإسرائيلي، وبذلك تحولت السلطة من شريك في عملية السلام، الى مجرد حارس ليلي، يتولى المسؤولية الأمنية في اراضي الحكم الذاتي، ويعمل على تطهيرها من السلاح ومن المقاومين، حيث نصت اتفاقية أسلو على بند أساسي ومهم، وهو الارض مقابل السلام، غير أن دولة الاحتلال ضمنت السلام من خلال تعاون السلطة الوطنية الفلسطينية، إلا أنها لم تقدم الارض، ولم تخطوا خطوة واحدة تجاه تجسيد اتفاقية أوسلو، التي كان من المفروض تنفيذها في ضل خمس سنوات، غير ان سلطات الاحتلال عرفت كيف تنهك الداخل الفلسطيني، عن طريق مجموعة من الفصائل، حيث اقتنع البعض بخطة السلام، ورفض الاخر الانصياع لها، بالتالي اصبح الفلسطينيون منشغلين بأنفسهم، وبيقت المفاوضات تراوح مكنها، واستمرت حركة فتح والسلطة في لعب دور حارس الليل، الذي يضمن الأمن الاسرائيلي، بينما يحق لدولة الاحتلال اعتقال من تشاء ومداهمة المنازل ومصادرة الاراضي، والقتل والترحيل، وفي نفس الوقت لا يحق للسلطة الفلسطينية اعتبار ذلك جرائم، واستنكاره، أو الرد عليه، فالسلطة عندما وقعت طلقت العمل المسلح طلاقًا بائنًا، وبذلك ضمن الاحتلال الصهيوني طرفًا فلسطينيًا متعاونا، وقد ناب عن سلطة الاحتلال في كثير من الامور، خاصة في الضفة الغربية، حيث ينموا الاستيطان، وفي نفس الوقت، طهرت السلطة الوطنية الضفة من المقاومين ومن كل اشكال السلاح، غير تلك البواريد التي يحملها اعوان الامن الوقائي الفلسطيني، وهي لا تفعل شيء من اجل الاراضي والمعتقلين والمداهمات الليلة وهدم المنازل على رؤوس اهلها.

* حماس واستراتيجية الفوضى وعدم الجدية

يبدو أن إخلاء الاراضي الفلسطينية السلاح، وإلتزام السلطة الفلسطينية بكل ما جاء في أوسلو، وغيرها من الاتفاقيات، أمر غير مرحب به اسرائيليًا، حيث أن قدرة السلطة على التكم في الأراضي التابعة لها، هو دليل على قدرتها على التحكم في الوضع، خاصة بعد إتفاق الحل النهائي، وهذا ما لا تريد إسرائيل الوصول اليه، حيث من ضروري، أن تبقى السلطة موجود، ومن الضروري أيضا أن تبقى فوضى السلاح، والعمليات الموجهة ضد جيش الإحتلال، وبذلك إيجاد مسوغ لاستمرار الاحتلال، واستمرار كل السياسات التوسعية الإسرائيلية، كما أنه يسهل على إسرائيل عملية التنصل من التزاماتها امام المجتمع الدولي، بحجة عدم الجدية، وعدم وجود شريك فلسطيني يمكن التعويل عليه، وهنا نجد حركة حماس أفضل فصيل فلسطيني لعب دور المقاومة وإرباك السلطة الفلسطينية، وإحراجها أمام المجتمع الدولي، واعطاء مسوغ للكيان الصهيوني لضرب مصداقية السلطة الفلسطينية واحراجها امام الداخل الفلسطيني، على أنها ترفض المقاومة وأنها تهدن الاحتلال، والمشكلة أن مقاومة حماس شكلية، وبأسلحة بدائية، تضر الشعب الفلسطيني أكثر مما تنفعه، وذلك بسبب ردات الفعل الاسرائيلية على العلميات التي تنفذها حماس، وخير دليل على ذلك حروب غزة، التي تم فصلها عن الضفة وتسليمها لحكة حماس لتقيم فيها امارة اسلامية، وترفض الانصياع لكل التزامات السلطة الفلسطينية، بل أصبحت تبرم الاتفاقيات مع إسرائيل لوحدها، وتعلن الحرب والتهدئة، وكل المؤشرات تقول باستحالة تنفيذ إتفاقية المصالحة الفلسطينية، التي لا تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى، أو ككل حتى دول اقليمية لا تريد أي وحدة فلسطينية، لكن الأهم ان ضعف السلطة وارتهانها بدولة الاحتلال، من جهة ومن جهة اخرى تمرد حركة حماس وانشقاقها بقطاع غزة، زاد من استحالة الثقة في الجانب الفلسطيني، اسرائيليا ومن طرف أمريكا الراعي الرسمي لعملية السلام، التي اصبحت تمارس ضغوط رهيبة على السلطة الفلسطينية، من اجل اجبارها على الانصياع لحلول جاهزة بعيدا عن طاولة المفاوضات.

* الإصلاحات الاقتصادية كبديل للدولة المنشودة

يبدو أن استراتيجية إضعاف الداخل الفلسطيني، وتشتيته، وخلق جمعات مصالح متصارعة، ومختلفة تماما حول سبل التسوية مع الجانب الاسرائيلي، لم يكن سوى خطوة من خطوات اسلو ، اي انهاك الجانب الفلسطيني، وتخديره بشبه دولة، ثم الضغط عليه بسب تلك الامتيازات، حتى ينسى الدولة والقدس واللاجئين، ويصبح هدفه هو الحفاظ على امتيازاته التي حققها من خلال عملية السلام، والمتابع للمشد يدرك جيدا سياسة ترامب اتجاه القضية الفلسطينية، حيث ومنذ وصوله باشر اجراءات غير معهودة في حق الفلسطينيين، في اشارة منه الى استحالة قيام دولة فلسطينية، حيث أعلن منذ وصوله ان خطة السلام التي يعدها لا تتضمن مشروع الدولتين، ثم سارع الى وقف اغلب المساعدات الامريكية للشعب الفلسطيني، حتى الانسانية منها، وبعدها اقدم على نقل السفارة الامريكية من تلابيب الى القدس، وهو يدرك جديا وضعية الدول العربية، فالسعودية مشغولة بحروبها الجانبية، ومصر ترمم اقتصادها بعد الربيع العربي، ومشغولة بالداخل المتوتر، وسوريا خارج المعادلة، والعراق هرينة خلافات داخلية وامره بيد دول الجوار، ولا احد مستعد لتحرك من أجل فلسطين أو من أجل الاقصى، حيث يمكن القول ان القضية الفلسطينية باتت اقرب الى التصفية، بسبب الواقع العربي المرير، والداخل الفلسطيني المقسوم والمشرذم بين قوى انهكت من الصراعات الداخلية، وهنا اصبح من السهل جدا الذهاب لتفاهمات الوضع النهائي، أو املاءات ترامب على الفلسطينيين، وهي انهاء حلم الدولة، وتعويضهم بمكاسب اقتصادية، تهدف الى خلق واقع فلسطيني جديد، مقابل تجريدهم من حقوقهم وثوابتهم، بعد أن تنازلوا عن حق استرجاع راضهم كاملة، لكنه تنازل جاء متأخرا جدًا، وفي ضل ظروف عربية لم تعد تسمح للفلسطينيين بان يكون طرف مفاوض، خاصة بعد تجريدهم من السلاح الوحيد هو سلاح الرعب والذي مارسوه على الإسرائيليين منذ نكبة 1947، لكن بعد تجريدهم من مخالب المقاومة، لم يعد الفلسطينيون يقدرون على مواصلة كبذة الارض مقابل السلام، بل هم الان في مرحلة السكوت مقابل الخبز، وهي مرحلة جرى التحضير لها منذ مؤتمر مدريد واتفاقية اسلو، وتخلي الفلسطينيين عن حقوقهم الشرعية، وتحولهم الى رهينة سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيء، واليوم الحل سيكون في تعميم الرشوة على الشعب الفلسطيني ككل، بعد ان لعب كل اوراقه، واصبح غير مخير في قبول التسوية الامريكية؟، المتمثلة في استثمارات اقتصادية ضخمة، لشعب انكه الاحتلال والصراع الداخلي والخذلان العربي والاسلامي.

من خلال كل هذا يمكن القول، أن صفقة القرن ليست وليدة اليوم، بل هي احد بنود أوسلو السرية، حيث كانت تلك الاتفاقية عبارة عن حرب طويلة الامد، الهدف منها إنهاك الفلسطينيين، واجبارهم  في النهاية على الرضوخ الى سياسة الامر الواقع، بعد ان تخلو عن ثوابتهم طواعية، مصدقين لأكذوبة الارض مقابل السلام، حيث أن كل اتفاقيات السلام والاتفاقيات الموقعة بين الجانب الفلسطيني والاسرائيلي، كان الهدف منها اضعاف الفلسطينيين وانهاك قواهم، وتشتيت مواقفهم، وخلق تيارين، تيار امن بالسلام وتيار امن بالمقاومة الوهمية، رهن مشروعه بمشاريع اقليمية، وبذلك ضاعت القضية الفلسطينية نتيجة سياسة دولية مجحفة من جهة، ومن جهة اخرى، واقع عربي بائس، وهنا تحولت قضايا الحل النهائي، إلى املاءات صفقة القرن، التي ربما سنجد السلطة الفلسطينية تعترف بها في نهاية المطاف، مجبرة غير مخيرة، وبالتلى تصفية القضية الفلسطينية، الى الابد، حيث يوجد خياران امام الفلسطينيين، اما قول الصفقة واما حل السلطة انهاء وهم السلام والعدوة الى وضع ما قبل 1991، لان الموت بشرف افضل من العيش بمهانة.

الوسوم

الجيلالي كرايس

كاتب متخصص في علم الإجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق